أثر الآلة على الملحون
عباس الجراري
قدم هذا العرض ـ مرتجلا ـ في الندوة العلمية الدولية التي نظمتها جمعية رباط الفتح في نطاق مهرجان الموسيقى الأندلسية المنعقد من 20 سبتمبر إلى 10 أكتوبر 1996 . وعقدت الندوة بعد ظهر السبت 7 جمادى الأولى 1417 ه =21 سبتمبر 1996 بقاعة المحاضرات التابعة لوزارة التربية الوطنية.
في بداية هذا العرض الذي سأتناول فيه " أثر الآلة على الملحون "، أرى ضرورة توضيح مفهوم كل من هذين الفنين: "الآلة " و "الملحون".
أما "الآلة " فهي ذلكم النمط الموسيقي الذي يعرف كذلك باسم " الموسيقى الأندلسية " بحكم ظهوره وازدهاره في رحاب الفردوس المفقود، والذي يعتمد الأداء الآلي المتكئ ـ لضبط إيقاعه ـ على نصوص شعرية متنوعة. وبسبب ذلك اكتسب تسميته ب "الآلة ".
وأما "الملحون " فهو ذلكم الشعر الذي تؤدى قصائده موقعة وملحنة في تركيز على إنشاد النص أو "الكلام "، وفق ميزان موسيقي يحفظ لهذا الإنشاد انضباطا إيقاعيا معينا.
ونظرا لأن الأساس في الملحون هو النص، فقد أطلق عليه " الكلام "، في حين شاع عن" الموسيقى الأندلسية" اسم " الآلة "، وهما مصطلحان ـ كما يبدو واضحا ـ يعكسان الخصوصية التي يتميز بها كل من الفنين .فأحدهما ينطلق من الشعر، والثاني من أداء اللحن الموسيقي.
وقد عرفت الآلة كما عرف الملحون تطورا يمكن تلخيص أهم ملامحه في نقطتين اثنتين:
الأولى: أن "الآلة " تحت تأثير عوامل موسيقية وشعرية محلية ووافدة عرفت في الأندلس تطورا أفضى بها إلى بناء منظم يقوم على "النوبة ". وهو مصطلح يعني مجموع الأجزاء التي يتتابع أداؤها داخل طبع خاص وبموازين متنوعة، مما يدل على وجود تأليف موسيقي متكامل يختلف عما كان معروفا عند العرب في الجزيرة من خلال نظام "الصوت ".
وقد انتقلت هذه "الآلة "إلى المغرب عبر عصور الاتصال، وأتيح لها أن تستقر فيه تراثا موسيقيا، لا سيما بعد انتهاء الوجود العربي الإسلامي في الأندلس، بدءا من سقوط قرطبة سنة 1236 م إلى سقوط غرناطة عام 1492 م، وما تبع ذلك من هجرات إلى أقطار أخرى في طليعتها المغرب، حيث سادت مدرسة توفق بين الأثرين الغرناطي والبلنسي، في حين كان أثر إشبيلية قويا في تونس، وأثر غرناطة ظاهرا في الجزائر.
وعلى الرغم من الضياع الذي مس تراث "الآلة " بسبب اعتماده النقل الشفوي، فإن ما حافظ المغاربة عليه ودونوا منه ينحصر في إحدى عشرة نوبة هي:الأصبهان، والحجاز الكبير، والحجاز المشرقي، والعشاق، والماية، ورمل الماية، والرصد، وغريبة الحسين، ورصد الذيل، وعراق العجم، والاستهلال. كما أن الطبوع أو الموازين التي تؤدى عليها هذه النوبات هي: البسيط، والقايم ونصف، والبطايحي، والقدام، والدرج. ويظن أن نوبة الاستهلال وميزان الدرج من إضافات المغاربة.
الثانية:أن الملحون تطور محليا على مدى مراحل متباعدة، متأثرا بعوامل شتى، في طليعتها " الآلة" وذلكم هو صميم موضوع هذا العرض.
وقد مس هذا التأثر جوانب ثلاثة هي: المضمون، والشكل، والأداء. وحتى يتضح ـ أي التأثر ـ أرى ضرورة الإشارة إلى ما كان عليه كل واحد من تلك الجوانب ثم كيف أصبح.
أولا = المضمون
وتدل النصوص الأولى التي وقفنا عليها، والتي ترجع إلى القرن التاسع الهجري، أن أغراض الملحون كان يطغى عليها الطابع الديني المتمثل في مواعظ وتصليات، على حد قول مولاي الشاد الذي كان يعيش في أول هذا القرن، وهو من تافيلالت:
لاتقولوشي يا حسرا على زمان الخير والشر فكل زمان كاينين
ماحد اكتاب الله فالصدور اعلاه نبكيوا اعلاه
ما قاطعين ياس من رحمة الله وحبيبنا الشافع رسول الله
فاش جا ذنب المخلوقين عند واسع الغفران
وبحكم التأثر بالأشعار التي كانت تصاحب " الآلة" بما فيها من قصيد وتوشيح وزجل ـ وموضوعاتها مستمدة من متطلبات مجالس الغناء بما تقتضي من غزل ونسيب وطبيعة في الغالب ـ أخذ مضمون الملحون يتطور، بدءا بشعر الطبيعة ووصولا إلى الغزل.وأول نص وصلنا يشيد بالطبيعة ويتغنى بها يتمثل في قصيدة لأحد الشعراء الفيلاليين كان يعيش في أوائل القرن العاشر الهجري، هو حماد الحمري الذي يقول في حربة قصيدته، أي لازمتها:
الورد والزهر واغصانو واشجار باسقا واطيار
ايسبحوا لنعم الغني والما افقلب كل اغدير
أما أول نص في الغزل فهو الذي قاله محمد بو عمر,، متمثلا في قصيدة"زهرة،" وكان معاصرا للحمري، وفي حربتها يقول:
زوريني قبل اللانقبار يا هلال الدارا زهرا
وإذا كانت قصيدة الحمري قد قوبلت برضا الشعراء وجمهور عشاق الفن، فإن قصيدة بوعمر, ووجهت باستياء شديد يكفي للدلالة عليه أن نسوق هذين البيتين اللذين يقول فيهما شاعر معاصر يسمى لمراني، معبرا عن رفضه لاتخاذ المرأة موضوعا للملحون ومتهما صاحبه " لعشيق" بالزندقة والفسق:
زنديق بن الزنديق الوغد اللي يردنا فساق
يستاهل الرجيم ابلحجر حتى ا يموت بالتحقيق
ويلا ايموت يتصلب عام وبعد دلتو يحراق
وانشتتو ارمادو وانقول هكذا ابغى لعشيق
وقد احتاج هذا الموقف إلى عقود من السنين، قبل أن ياتي التهامي المدغري في أواسط القرن الثالث عشر الهجري ـ وهو شاعر المرأة بامتياز ـ ويعترف لبو عمر, في مثل هذا القول:
لو كنت في ازمان العاشق انكون لو الخو الشقيق
وانحق للجحود احقايق ونقول يا النايم فق
ثانيا = الشكل
وكان في أول الأمر وحسب النصوص التي وقفنا عليها يقوم على كلام يحاول أن ينتظم، لكن في غير ضبط محكم لوحدة الوزن فيه والقافية، على نحو ما تبين أبيات مولاي الشاد السابقة. وشيئا فشيئا بدأ يقترب من القصيدة العربية في مقوماتها الإيقاعية، وفق ما نجد عند معاصره عبد الله بن احساين، وهو كذلك من تافيلالت، إذ يقول:
نبدا باسم الله انظامي ياللي ابغى لوزان
لوزان خير لي أنايا من قول "كان حتى كان"
ربي الهمني نمدح جد لشراف يا لخوان
بالشعر السليس الفايز هو ايكون لي عوان
حتى انقول ما قالوا عشاق النبي افكل ازمان
وانكون افلقريض الملحون أنا المادحو حسان
مداح مادحو بلساني والشوق له من لكنان
والمادحو ابقلب اكنانو يرضاه ما عيا بلسان
وإذا كان هذا النموذج يبرز مدى انتقال الملحون من شكل " كان حتى كان " العفوي إلى شكل "لوزان" المنظم، فإن الاحتكاك بالنصوص الشعرية التي كانت ترافق " الآلة " من توشيح وزجل أتاح للملحون أن يطور أشكاله عبر عنصرين اثنين:
الأول:التقسيم المنظم للقصيدة، ويسير على هذا النحو الذي سأكتفي بالإشارة إلى مصطلحاته، إذ لا يتسع المجال لتوضيح سماته المنعكسة على تلوين الوزن والقافية، وتنويع الأداء كما سياتي بعد.
1 ـ مقدمة= السرابة، وسأعود إليها فيما بعد عند الحديث عن الأداء.
2 ـ الدخول.
3 ـ الحربة = (اللازمة).
4 ـ القسم( قد يقدم له بالعروبي أو الناعورة أو السويرحة أو الكرسي).
5 ـ بعد الأقسام تختم القصيدة بآخر قسم أو بالدريدكة، وتنشد على إيقاع سريع.
الثاني:الأوزان، وتتسم بغنى عروضي لا مجال لحصره ولا يسمح الوقت بتفصيل القول فيه. وأقتصر فيه على ذكر أهم عناصره، وهي:
1 ـ المبيت وهو الشعر الذي يقوم على البيت، ومنه جاءت التسمية. إلا أن البيت فيه لا يسير على نسق واحد كما هو الشأن في القصيدة العربية، بل تنبثق منه أربعة أشكال...
نبذة عن سيرة الباحث الكبير عباس الجراري
لا يجادل اثنان حول أحقية الريادة في مجال البحث المتعلق بفن الملحون وعموم التراث المغربي هي راجعة بالأساس إلى الدكتور الباحث المتميز سيدي عباس الجراري.
وهي ريادة لاتخص النبش الأولي في ذخائر هذا الفن العريق، وإنما يرجع له الفضل الذي لاحصر له، حينما دخل غمار البحث من لاشيء، والصعوبات التي صادفته إلى حد الاستهتار بعمله الجاد،وأيضا لشجاعته حينما أجهر بكلمة الحق وهو يدافع عن ثقافتنا الشعبية وعن الزجل المغربي، وعن فن الملحون العريق،هذا الرجل العظيم الذي يستحق كل تقدير وتبجيل، استطاع رغم صعوبة البحث، أن يقتفي آثار الشيوخ والحفاظ والموسيقيين والمولوعين وما لكي الكنانيش الخاصة بفنون الملحون، فقد جمّع ومحّص، ورتب وقعّد، وفق منهج علمي جامعي، أعطى المكانة اللائقة لهذا النوع من الأدب الشعبي.بل هو أول من ردّ الاعتبار الوازن لفن الملحون ولكل فنون القول الجميل...
لقد انتبه الدكتورعباس الجراري في وقت مبكر إلى حاجة المغاربة إلى هويتهم كاملة يعتزون بها ويتباهون بها بين الأمم، ووضع يديهم على الأهم منها، والمركز في الشخصية الثقافية الشاملة التواقة إلى أدبها وفنها وأهازيجها،فجاءت البدايات التي حرّكت المجال في نطاق البحث والوصول إلى نتائج إيجابية لاحصر لها..
وليس غريبا على باحث مقدام نشأ داخل أسرة كرّست حياتها للعلم والثقافة،فوالده هو عبد الله بن عباس الجراري، عالم وباحث وأديب وقد خلف مجموعة من المؤلفات المتنوعة، وهو سليل أسرة تنتمي إلى عرب بني معقل، لعبت أدوارا طلائعية في مجال الثقافة والإبداع منذ عصر المرينيين.. كما أوضح ذلك الباحث عبد اللطيف الفرابي في كتابه: " عباس الجراري باحثا وناقدا".
وقد ولد الأستاذ عباس الجراري بالرباط في 15 فبراير 1947م، وتمّم بها تعليمه الابتدائي والثانوي وحصل على شهادة في الترجمة.
ظهرت ملامح اهتماماته بالتراث الشعبي ومنها فن الملحون ، منذ بداية تحصيله الجامعي في القاهرة عام 1964 حيث حصل منها على شهادة الماجستير عن موضوع:" أبو الربيع سليمان الموحدي، وبعدها مباشرة حضر دكتوراه المرجع عن موضوع:" الأدب المغربي الشعبي- قصيدة الملحون سنة 1969. قبل أن يطبعها عام 1970 تحت عنوان: الزجل في المغرب- القصيدة.. وبعدها أغنى المكتبة المغربية بكتب هامة تظهر عبقرية الدكتور الجراري، وعمق ثقافته الغزيرة والجادة. ومن هذه المؤلفات نجد:
- القصيدة سنة 1970 مطبعة الأمنية
- الحرية والأدب سنة 1971 مطبعة الأمنية
- من وحي التراث سنة 1971 مطبعة المنية
- الثقافة في معركة التغيير سنة 1972 دار النشر المغربية
- الشاعر الأمير أبوالربيع سنة 1973 دار الثقافة
- سليمان الموحدي ، عصره،حياته، شعره --------------------------------------
-موشحات مغربية سنة 1973
-في الشعر السياسي سنة 1974 دار الثقافة
- من أدب الدعوة الإسلامية سنة 1974 دار الثقافة
- قضية فلسطين في الشعر المغربي سنة 1975 مطبعة فضالة
- صفات دراسية من القديم والحديث سنة 1976 دار الثقافة
وحدة المغرب المذهبية سنة 1976
- ثقافة الصحراء سنة 1978 دار الثقافة
- النضال في الشعر المغربي سنة 1978 دار الثقافة
- الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه سنة 1979 مكتبة المعارف
-الفكر الإسلامي والاختيار الصعب سنة 1979 دار الرشاد الحديثة
- عبقرية اليوسي سنة 1981 دار الثقافة
- الفكر والوحدة سنة 1084 مكتبة المعارف
- العالم المجاهد عبد الله الجراري سنة 1985
- معركة وادي المخازن في الأدب المغربي سنة 1985
- خطاب المنهج سنة 1985
- معالم مغربية سنة 1991
- مع المعاصرين سنة 1995
-تطور الشعر العربي الحديث سنة 1997
- معجم مصطلحات الملحون سنة 1989
وبقيت لائحة طويلة من مؤلفاته، كما أن العديد من كتبه طبع أكثر من مرة، بل منها من نفذ نهائيا من سوق الكتب بجديده وقديمه، وكل أماني الباحثين والمهتمين وآمالهم أن ينتبه إلى هذه المسألة القيّمون على الشأن الثقافي ببلادنا، فيبادروا إلى إعادة طبع بعض الأعمال خصوصا في مجال الأدب الشعبي ومنه الملحون..
كما أن الدكتور عباس الجراري قد أطر العديد من البحوث الجامعية في مجال الملحون والتراث، وطلبته واقتداء به يساهمون الآن مساهمة فعالة في مجال تطوير الملحون وتقديمه للجيل الجديد الذي تتنازعه العديد من التيارات الفنية الهاجمة على ذوقه..
والدكتور عباس الجراري يحْضر جميع التظاهرات الفنية والإبداعية الخاصة بالملحون والتراث الشعبي بكل مناطق المغرب، ويكرّس حضوره في التظاهرات المُقامة بالجامعات المغربية، وكل الكلمات التي يلقيها في مثل هذه التظاهرات، يخرجها في كتب كان آخرها كتاب " النغم المطرب بين الأندلس والمغرب"، وبها خطبهُ التي ألقاها أو بعثها إلى المشاركين ومنها على الخصوص : مهرجان الجديدة للزجل والملحون في دورته الثانية سنة2001 ، ومهرجان فاس لطرب الملحون في دورته الأولى في نفس السنة..
ومهما تحدثنا عن جهود الدكتور عباس الجراري، فلن نوفيه حقه،لأ نها أكبر من التنويه،وأعظم من التكريم، وإنما الذي يجزيها محبّة الناس الغزيرة لهذا الرجل الذي كرّس حياته كلها لدفاع عن الثقافة المغربية، وعن الأدب الشعبي ومنه فن الملحون، وعن كل الفنون التراثية التي تزخر بها بلاد المغرب من أقصاه إلى أقصاه.. فطوبى لنا بمثل هؤلاء الرجال الأشاوس، والذين لولاهم ،لضاع حقنا في تراث.. حيث لاينفعنا معه حتى امتلاء بحر
من دموعنا.. فشكرا وألف شكر لك أستاذي الكبير الدكتور الجليل والعلامة المبجل سيدي عباس الجراري... فقد مهدت الطريق لأجيال بكاملها تنتظر منك الإرشاد والتوجيه......
محمد الراشق: شاعر وباحث في فن الملحون