
الشيخ ريمون
(1912/1961)
(في الخامسة عشرة من عمري كنت أعزف في جوقته، وهو من اختارني كي أكون وريثه) إينريكو ماسياس.
**
في مسقط رأسه قسنطينة مدينة الجسور المعلقة، كان الشيخ ريمون أيضا جسرا يجمع بين تضاريس طائفتين في وقت كانت فيه أحداث التاريخ بصدد التفريق بينهما. وضعه قدره على خط التماس بين تأجج الجغرافيا وحساسية التاريخ.
وهو من أب يهودي من مدينة باتنه، وأم مسيحية فرنسية من منطقة بروتون، جعلت منه حرفة الغناء بائعا للأنس والطرب في سوق زبائنه من المسلمين واليهود، لأنهم جميعا لا يتمثلون أفراحهم وحفلاتهم بعيدا عن أجواء فن المألوف الذي هو تجسيد لبيئة روحية مفتقدة وماض يتوهج الحنين إليه كلما أوغل في البعد.
رجل كانت ديانته المالوف، كان محاطا بهالة احترام، الكل يقدر فنه ويعشقه بحيث "كانت الطرقات تخلو من المارة في قسنطينة حرصا على تتبع حفلاته الأسبوعية بالإذاعة ثم في التلفزة المحلية"(1). لكن حين حم القضاء، وانفجر بركان الغضب، في جزائر تتطلع إلى التحرر، و ترى في الطائفة اليهودية ريحا معاكسة، أو حاجزا يعترض حركية التاريخ، كان الشيخ ريمون ابن المدينة وأحد أعيانها، ممن دفعوا ثمن هذه الظرفية المحقونة والمتأزمة.
كلما ذكر الاسم اعتبر ذلك بمثابة وضع الملح على الجرح، لأن الرجل قتل في صيف 1961 في أوج احتدام حرب التحرير الجزائرية، وهو ما يحيل إلى طرد يهود المدينة الذين كان يبلغ تعدادهم 40000 نسمة، والموضوع عموما يعتبر نبشا في ذاكرة الألم. وقد سبقت الإشارة إلى أن قرار فرنسا إعطاء يهود الجزائر الجنسية الفرنسية كان هدية مسمومة.
وقد جاءت عملية اغتيال الشيخ ريمون عكس مجرى الأحداث أو خارج منطق الأشياء، فالرجل كما عاش حياته كان محط تقدير من الجميع وكان رمزا يحيل إلى تراث حضاري شامخ هو فن المالوف، خاصة وأنه أحد أبرز وجوه هذا الطرب ليس في الجزائر فقط بل وفي المنطقة عموما. واقتران اسم ريمون ليريس بالمالوف في هذه الحقبة من تاريخ المدينة، وحرصها الشديد على التمسك بهذا التراث تحديدا هو في حد ذاته عمل نضالي، وهو عمليا فعل مقاومة لمشروع الاجتثاث الذي كانت تنهجه سلطات الاستعمار الفرنسي من خلال الاحتلال العسكري الاستيطاني واللغوي ونسف الجذور الثقافية لشعب الجزائر.
كان الشيخ ريمون يتمتع بذاكرة قوية حسب شهادات الذين احتكوا به وعاشروه حيث كان يستظهر ما لا يقل عن خمسة آلاف قصيدة لدرجة أن صار يطلق عليه آلة التسجيل. حين كان بصدد تلقي قواعد المالوف ولم يكن بعد قد اكتسب القدرة على مشاركة العازفين في جوقة شيخه عبد الكريم بسطنجي(2)، كان يجلس في الأدراج منصتا، وبمجرد أن ينتهي الجوق من العزف، تكون ذاكرته قد التقطت كل شيء.
غير أن نفض الغبار عن تراث الشيخ ريموند وبالتالي رد الاعتبار إليه وإعادة إحياء حقبة زاهية من تاريخ طرب المألوف في قسنطينة، لم يكن ليتم لولا إسهامات شتى، وتضافر جهود عديدة وفي وقت متزامن إلى أن أتت هذه الجهود ثمارها الأولية.
فبالإضافة إلى جاك ليريس نجل الشيخ ريمون، ، كان طبيعيا أن الجهات التي تدخلت لم تكن لها أية صبغة رسمية، بل كان الطابع الذي يوحد بين هذه المبادرات، هو القناعة الشخصية بإعادة رأب الصدع في الذاكرة المشروخة.
وكان من بين أهم المساهمين كل من موقعه، نجم الغناء الفرنسي الجزائري إينريكو ماسياس، بوصفه التلميذ المباشر للشيخ ريمون "في الخامسة عشرة من عمري كنت أعزف في جوقته، وهو من اختارني كي أكون خليفته" ثم بعد ذلك توثقت الصلة بينهما باقتران هذا الأخير ب "سوزي" بنت الشيخ ريمون. في حين كان عازف الكمان الشهير سيلفان والد إنريكو" من بين أربعة عناصر اعتمدها ريموند في تشكيل نواة جوقته الخاصة.
الشروع الفعلي في النهوض بهذه المهمة دشنها إنريكو بإصداره أغنية "مطربي المفضل" تكريما لأستاذه ريمون. ومنذ ذلك الحين وهو لا يفوّت فرصة إلا استغلها لتسليط الضوء على هذا الفنان، ومن ثم جاءت مساهمته في السهرة المدوية التي أحياها بغرناطة حيث تغنى بالعربية جنبا إلى جنب مع مطربين شباب جزائريين أو من مواليد المهجر، كما في حفلة ربيع بورج (18 أبريل1999) رفقة الموسيقي والباحث توفيق البسطنجي (3)، أو في الدويتو الذي اشترك فيه مع الشاب مامي.
الباحث والأكاديمي الجزائري رافائيل درعي(4)، ألقى بثقله العلمي والإعلامي، فأدلى بدلوه في الموضوع، حيث أوضح بقوله: إنني كنت أعتقد دائما أنه من الإجرام أن يندثر أيضا كل ما تبقى من ريموند ليريس وهو صوته.
كانت البداية عام 1979 حين كتب البروفيسور درعي مقالا في جريدة "لوموند" حول الشيخ ليريس مدفوعا بالحنين إلى المصالحة مع الذات والآخر والتاريخ. وكان درعي في هذا السياق قد أكد في لقاء مع الصحافة أن هاجسه الدائم ليس مجرد العودة إلى الجزائر المحررة، بل في خلق مصالحة معها، وأنه يعتبر مغادرتها إجحافا، أو عقابا على غلطة لم يرتكبها شخصيا، بل هو يعزو ذلك إلى لاعقلانية التاريخ l'irrationalite de l'histoire)).
إعادة الحياة لتراث الشيخ ريمون والرغبة في إعادة نشر أعماله على أسطوانات مدمجة هو ما حدا برافائيل درعي إلى التنسيق مع بقية الفاعلين وعلى رأسهم باعتراف الجميع الباحث والموسيقاني الجزائري توفيق بسطنجي الذي يرجع إليه الفضل في بعث الروح مجددا في هذا الإرث الموسيقي.
واهتمامه بالموضوع يعود إلى عدة عوامل أولها اشتغاله بالبحث الموسيقي ممارسة وتنظيرا، ثانيا يعتبر توفيق بسطنجي من المنشغلين بالتراث الأندلسي، سيما وأنه تتلمذ على الشيخ محمد الطاهر الفرجاني (5)، ثالثا الصلة التي تربط جده الشيخ عبد الكريم بسطنجي وهو من مشايخ المألوف، بريموند ليريس حيث تلقى هذا الأخير على يديه أصول هذا الطرب.
بالفعل وفي إطار هذا الجهد الجماعي ذي الطابع الأنتربولوجي من جهة والذي يكتسي مدلولا إنسانيا عميقا ونبيلا ، تمكن توفيق بسطنجي من إنقاذ وإعادة تأهيل ما تم جمعه من تراث هذا الفنان، وهو ما تمثل في إصدار أقراص مدمجة تحمل تعليقات وهوامش لكل من رافائيل درعي وتوفيق بسطنجي.
________________
كما ورد في مقال عنه نشرته جريدة Liberte'-Algerie"".
عبد الكريم بسطنجي: موسيقي جزائري من شيوخ طرب المألوف.
توفيق بسطنجي:
(4) رافائيل درعي: أستاذ العلوم السياسية بجامعة Aix Marseille lll، وله العديد من المؤلفات.
(5) محمد الطاهر الفرجاني (1929) أحد أعلام ومشاهير المألوف.
______________
من بين أهم أغانيه إضافة إلى الطرب المألوف
ـ يا نبي
ـ احبابنا
ـ غرامك عذبلي قلبي
ـ سحرتني
ـ انقلاب صبري قليل
